ابن عربي

311

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

حضرة الخيال إن أكلت شبعت ، وإن مسكت فيه شيئا من ذهب أو ثياب أو ما كان بقي معك على حاله لا يتغير ، ومن ذلك المقام قال صلّى اللّه عليه وسلّم وقد نهى عن الوصال فقيل له : إنك تواصل ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ] فلم يكن في تلك الجماعة التي خاطبها في ذلك الوقت من له هذا المقام ، ولم يقل لست كهيئة الناس ، فكان إذا أكل شبع وواصل على قوة معتادة ، ولما كان الأكل في حضرة الخيال لا في حضرة الحس صح أن يكون مواصلا ، كذلك تقدمه صلّى اللّه عليه وسلّم لقطف عنقود من العنب ، وتأخره وهو في الصلاة من النار التي مثلت له في عرض الحائط ، وليس ذلك المقام إلا للعبد المحض الخالص « الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ » بالرحمة العامة والرحمة الخاصة . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 23 ] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) لما كان وجود العالم مرتبطا بوجود الحق فعلا وصلاحية ، لهذا كان اسم الملك للّه تعالى أزلا - وإن كان عين العالم معدوما في العين - لكن معقوليته موجودة باسم المالك ، فهو مملوك للّه تعالى وجودا وتقديرا قوة وفعلا ، وقال تعالى : « هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ » [ التوحيد الرابع والثلاثون في القرآن ، وهو توحيد النعوت : ] بنسبة ملك السماوات والأرض إليه فإنه رب كل شيء ومليكه ، والاسم الملك هو المهيمن على الأجناد الأسمائية ، فإن أسماءه سبحانه وتعالى عساكره ، وهي التي يسلطها على من يشاء ويرحم بها من يشاء « الْقُدُّوسُ » بقوله : ( وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) وتنزيهه عن كل ما وصف به ، فتقدست الألوهة أي تنزهت أن تدرك وفي منزلتها أن تشرك ، والقدوس من القدس وهي الطهارة الذاتية ، كتقديس الحضرة الإلهية التي أعطيها الاسم القدوس ، فهو اسم إلهي منه سرت الطهارة في الطهارات كلها ، وهو قدوس مطهر من الأسماء النواقص ، وهي التي لا تتم إلا بصلة وعائد ، فإن من أسمائه سبحانه الذي وما ، فهو القدوس أي المطهر عن نسبة الأسماء النواقص إليه ، وهو قدوس عن تغيره في نفسه بتغير الأحكام - إشارة - اعلم أن الاسم القدوس يصحب الموجودات وبه ثبت قوله تعالى : ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) فلا ينبغي أن يحال بين العبد وسيده ، ولا يدخل بين العبد وسيده إلا بخير ، ولا شك أن النجاسة أمر عرضي عيّنه حكم شرعي ، والطهارة أمر ذاتي ، فلا أصل للنجاسة في الأعيان ،